فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : قوله : * ( للذين أحسنوا ) * وما بعده بدل من قوله : * ( خيراً ) * وهو حكاية لقول الذين اتقوا ، أي قالوا هذا القول ، ويجوز أيضاً أن يكون قوله : * ( للذين أحسنوا ) * إخباراً عن الله ، والتقدير : إن المتقين لما قيل لهم : * ( ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً ) * ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال : * ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) * وفي المراد بقوله : * ( للذين أحسنوا ) * قولان ، أما الذين يقولون : إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق ، وأما المعتزلة الذين يقولون : إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحملون قوله : * ( أحسنوا ) * على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات . وأما قوله : * ( في هذه الدنيا ) * ففيه قولان : القول الأول : أنه متعلق بقوله : * ( أحسنوا ) * والتقدير : للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة ، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم ، وقيل : تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له . والقول الثاني : أن قوله : * ( في هذه الدنيا ) * متعلق بقوله : * ( حسنة ) * والتقدير : للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا القول أولى ، لأنه قال بعده : * ( ولدار الآخرة خير ) * وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه . والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم ، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى : * ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) * ( محمد : 17 ) . وأما قوله : * ( ولدار الآخرة خير ) * فقد بينا في سورة الأنعام في قوله : * ( وللدار الآخرة خير للذين يتقون ) * ( الأنعام : 32 ) بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال : * ( ولنعم دار المتقين ) * أي لنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها ، فإن وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد . وأما قوله : * ( جنات عدن ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها ، وأما إن كانت مقطوعة ، فقال الزجاج : جنات عدن مرفوعة بإضمار " هي " كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين